الغزالي
63
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
حكاية : يقال إن إسماعيل بن أحمد أمير خراسان نزل بمرو . وكان رسمه في كل موضع ينزله أن يأمر المنادي أن ينادي في العسكر : إن الجند ما لهم في الرعية شغل . فمضى رجل من الخربندية ودخل مبطخة قوم فتناول من الطبيخ قدرا يسيرا ، فجاءوا إلى باب الملك واستغاثوا ، فأمر بإحضاره فأحضر بين يديه فقال له : ألك علينا أجرة ؟ فقال : نعم . فقال : أما سمعت المنادي ؟ فقال : بلى ، قد سمعته . فقال : ما حملك على أن آذيت رعيتي ؟ قال : أخطأت . قال : لا أقدر لأجل خطئك على دخول النار . ثم أمر به فقطعت يده . حكاية : يحكى عن إسماعيل السامني في « كتاب سير الملوك » أنه كان ينزل بحذاء موليان ، وكان يصل كل وقت إلى مدينة كغد ويأمر المنادي أن ينادي في الناس ، وكان يرفع الحجاب ويزيح البواب ليجيء كل من له ظلامة ويقف على جانب البساط ويخاطبه ويعود مقضي الحاجة . وكان يقضي بين الخصوم مثل الحكام إلى أن تفي الدعاوى ، ثم يقوم من موضعه ويقبض على محاسنه ويوجه وجهه نحو السماء ويقول : إلهي هذا جهدي وطاقتي قد بذلتهما ، وأنت عالم الأسرار تعلم نيتي ولا أعلم على أي عبد من عبادك حفت ، ولا لأيهم ظلمت ، وما أنصفت أنا واحدا من أصحابي ؛ فاغفر لي يا إلهي من ذلك ما لا أعلم . فلمّا كان نقي النية ، جميل الطوية ، لا جرم علا أمره ، وارتفع قدره ، وكان عسكره ألف فارس معتدين بالسلاح ، مقنعين بالحديد . وببركة ذلك العدل والإنصاف ، ظفره اللّه تعالى بعمرو ابن ليث حتى قبض عليه وفتح خراسان . ثم إن عمرو بن ليث أنفذ إليه من السجن فقال : لي بخراسان أموال كثيرة وكنوز موفورة ، وأنا أسلّم الجميع إليك وأطلقني من السجن . فلمّا سمع إسماعيل ذلك ضحك وقال : إلى الآن لم يستقم معي عمرو بن ليث ، يريد أن يجعل المظالم التي احتقبها ، والمآثم التي ارتكبها في عنقي ويتخلّص من ثقل أوزارها في القيامة ؛ قولوا له : ما لي في مالك حاجة . ثم إنه أخرجه من السجن وأنفذه رسولا إلى بغداد ، فنال من أمير المؤمنين الخلع والتشريف ؛ وجلس إسماعيل في مملكته بخراسان آمنا فارغ البال ، حسن الحال . وبقيت المملكة في عنصر السامانية مائة وثلاثين سنة ، فلمّا انتقل الأمر إلى أصاغرهم وصبيانهم ظلموا الخلق وتعدّوا الحق فزال ملكهم . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « عدل السلطان يوما واحدا خير من عبادة سبعين سنة » « 1 » . وقال عليه الصلاة والسلام : « نصفة المظلوم زكاة
--> ( 1 ) تقدم ص 20 .